الخميس، 31 يوليو 2025
دبي، الإمارات العربية المتحدة:
وعلى الرغم من أن استخدام هذه العملات يقتصر حالياً – في الغالب – على تسهيل المدفوعات بالتجزئة بين الأفراد فإن سباقاً آخر يجري خلف الكواليس لتطوير أنظمة المدفوعات بين المؤسسات المالية والبنوك المركزية.
وعلى الرغم من الطابع التقني للمسألة فإن رهاناتها تتجاوز ذلك لتأخذ أبعاداً جيوسياسية.
اليوم، تعتمد الغالبية العظمى من المدفوعات العابرة للحدود على بنية تحتية تكنولوجية وعملات غربية، ما يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها قوة كبيرة لفرض العقوبات على خصومهم.. فما الذي يجري بالفعل في هذا المضمار؟ وما الذي ينبغي على صناع السياسات فعله في مواجهة هذا التحول؟
على سبيل المثال، قد تواجه العملات الأقل سيولة أسعار صرف أكثر سوءاً، إلى جانب عمليات تحويل متعددة، ما يؤدي إلى ارتفاع الكلفة على المستخدم النهائي، كما قد تتأخر التسويات المالية بسبب اختلاف المناطق الزمنية أو تزامن العملية مع عطلات مصرفية في الدول المعنية.
وأخيراً، تخضع كل ولاية قضائية تمر بها المعاملة لممارسات خاصة من الفحص والتدقيق في ما يتعلق بمكافحة غسل الأموال والتحقق من هوية العملاء، ما يضيف بدوره مزيداً من التأخير.
وقد مكّن هذا الوضع الدول الغربية من امتلاك قدرة غير مسبوقة على استبعاد الخصوم من النظام المالي العالمي.
وقد هدف المشروع إلى تطوير منصة لإجراء المدفوعات الفورية عبر الحدود باستخدام عملات رقمية للبنوك المركزية مخصصة للمدفوعات الجملة، وتقنية دفاتر الحسابات الموزعة.
وتسمح منصة «إم-بريدج» بتنفيذ مدفوعات عابرة للحدود من دون المرور بنظام «سويفت» أو استخدام الدولار الأمريكي، والمشكلة أن بنك التسويات الدولية أعلن، في أكتوبر 2024، انسحابه من المشروع.
وقد نفى أغوستين كارستنز، المدير العام لبنك التسويات، أن تكون الاعتبارات الجيوسياسية هي الدافع وراء قرار الانسحاب، إلا أن محللين عدة يشككون في ذلك، أما اليوم فقد أصبح مشروع «إم-بريدج» بيد البنوك المركزية الخمسة المشاركة فيه.
وقد وجّه البنك، الذي يتخذ من بازل مقراً له، دعمه إلى مبادرة أخرى متعددة الأطراف للمدفوعات عبر الحدود، تعرف باسم «مشروع أغورا»، ويجمع هذا المشروع 7 بنوك مركزية غربية في معظمها، من بينها بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وبنك فرنسا (ممثلاً لمنظومة اليورو)، وبنك اليابان، وبنك إنجلترا، إلى جانب 43 مؤسسة مالية.
ومن خلال تقنية الترميز يمكن دمج وظيفة التسوية، التي تنفذ حالياً بشكل تسلسلي، مع وظيفة التراسل، بحيث تسجل المعاملات على دفتر موحد يحدّث بشكل متزامن، لا على دفاتر منفصلة كما هي الحال في النظام الحالي، وذلك مع الالتزام الكامل بمتطلبات مكافحة غسل الأموال والتحقق من هوية العملاء.
وعلى كل حال فمن الواضح أن النظام القائم على البنوك المراسلة بات مهيأ للتغيير، وأن البنية التحتية الجديدة، أو «قضبان التشغيل» كما يطلق عليها، قد تختلف جذرياً عما هو معمول به اليوم.
ويمكن تسميتها «معضلة الجهات القائمة»، فالهياكل المالية التقنية والقانونية في الاقتصادات المتقدمة معقدة للغاية، ما يجعل من الصعب توحيدها ضمن بنية جديدة للمدفوعات العابرة للحدود.
ويقول ليبسكاي: «الحكومة الأمريكية تريد لمشروع أغورا أن ينجح لأسباب جيوسياسية، وفي مقدمتها التصدي لمحاولات الصين الالتفاف على العقوبات مستقبلاً، لكن البنوك المركزية الأخرى وكذلك البنوك التجارية تهتم بالحصول على قدرة إجراء مدفوعات سريعة ومنخفضة الكلفة، باستخدام أفضل التقنيات وبالعملات التي تُستخدم في غالبية تعاملاتها».
وفي عالم ستكون فيه الدول غير المنحازة مضطرة للاختيار بين الانضمام إلى «إم بريدج» أو إلى منصة مستوحاة من مشروع أغورا فإن وجود الدولار الأمريكي سيكون حافزاً قوياً لترجيح الكفة لمصلحة الخيار الثاني».