الأثنين 26 يناير 2026 - 08:45:16 م

«السفر بالتقسيط».. منتج جذاب بأعباء مالية مؤجلة

«السفر بالتقسيط».. منتج جذاب بأعباء مالية مؤجلة

دبي، الإمارات العربية المتحدة:

قال متعاملون إن خيار «السفر بالتقسيط» جذبهم في البداية، نظراً إلى ما يوفره من مرونة وسهولة في التخطيط للرحلات والعطلات، إلا أن تجاربهم العملية كشفت عن تحديات مالية غير متوقعة، تمثلت في تداخل الأقساط مع الالتزامات الشهرية، وظهور رسوم إضافية عند التعديل أو الإلغاء، ما جعل بعضهم يشعر بضغط مالي، ويعيد تقييم جدوى الاعتماد على هذا النوع من منتجات السفر مستقبلاً.

 

وعرض متعاملون لـ«الإمارات اليوم» تجاربهم الشخصية، لافتين إلى أن الإقبال على هذا الخيار غالباً ما يكون بدافع استقرار الدخل، أو الرغبة في الاستفادة من عروض السفر، فضلاً عن الرغبة في توفير رصيد مالي نقداً لمصروفات العطلة.

وأوضحوا أن تغيّر الظروف المالية أو عدم احتساب النفقات اللاحقة بدقة، قد يحوّل التجربة من حل مريح إلى عبء طويل الأمد، مؤكدين أن التخطيط المسبق ووضع خطة سداد واضحة عاملان أساسيان لتجنب الوقوع في ضغوط مالية بعد انتهاء الرحلة.

من جانبهم، قال خبراء سفر واقتصاد إن الإقبال على خطط السفر بالتقسيط يشهد نمواً ملحوظاً في الفترة الحالية، خصوصاً بين المسافرين الشباب وذوي الدخل المتوسط، مدفوعاً بظهور العديد من المنتجات التمويلية الجديدة في السوق.

وأوضحوا لـ«الإمارات اليوم» أن مفهوم السفر بالتقسيط قد لا يكون مناسباً لجميع المسافرين، محذّرين من أن السفر، رغم كونه وسيلة للراحة والاستجمام، فقد يتحوّل إلى عبء مالي على بعض الأفراد. وشدّدوا على أهمية التوازن بين الرغبة في السفر، والقدرة المالية، داعين المسافرين إلى اتخاذ قرارات مدروسة تضمن لهم تجربة سفر مريحة دون التأثير سلباً في استقرارهم المالي على المدى الطويل، وألا يتم السفر عبر الاقتراض أو تراكم الديون، لما يحمله ذلك من مخاطر مؤجلة تعرف في علم الاقتصاد بـ«المخاطر التراكمية»، التي تسهم في سوء التخطيط المالي على المدى الطويل.

وتوفّر بنوك عاملة في السوق المحلية، إلى جانب شركات مالية وتطبيقات سفر، العديد من المنتجات التي تتيح للمتعاملين حجز الرحلات والعطلات، مع خاصية السداد بالتقسيط عبر دفعات محددة تمتد من ثلاثة إلى ستة أشهر.

وتضع بعض المنتجات حداً أدنى للإنفاق، شرطاً للحصول على عرض التقسيط، مع رسوم للاشتراك، ومعالجة الطلب، فيما تراوح رسوم المعالجة لمرة واحدة بين 1 و2% من المبلغ الإجمالي وفقاً للمنتج المالي الذي يتم اختياره، أو تضع مبلغاً ثابتاً يتم تحديده، وفي حال عدم التمكن من السداد في الوقت المحدد، يتم فرض رسوم تأخير حسب مزوّد الخدمة.

تجربة لن تتكرر

وقالت المتعاملة (أم أحمد) لـ«الإمارات اليوم»: «قرّرت السفر مع عائلتي مستخدمة خيار (السفر بالتقسيط)، نظراً إلى أن الوضع المالي كان مستقراً وقتها، ولديّ قدرة على الدفع لاحقاً، إلا أنه بعد عودتنا من السفر بفترة، تعرض أحد أفراد العائلة لطارئ صحي مفاجئ، ما حمّلنا تكاليف علاج لم تكن في الحسبان».

وأضافت (أم أحمد): «في تلك اللحظة، أصبحت الأقساط التي كنت أتوقع سدادها في وقتها، عبئاً إضافياً، واضطررت لتأجيل دفعة مالية، ما سبب لي ضغطاً مالياً استمر فترة من الزمن».

وأكدت (أم أحمد) أنها لن تكرر هذه التجربة مرة أخرى، مهما كانت العروض والمغريات المتعلقة بآلية الدفع للعطلات، بل ستسافر عندما تمتلك كامل المبلغ المخصص للعطلة دون أن تضطر إلى منتجات سفر تتيح الدفع لاحقاً.

رسوم ودفعات

من جانبه، عرض المسافر عمر خليل، تجربته مع السفر بالتقسيط، قائلاً: «رتبت مع زوجتي بعد تحديد وجهة السفر وإعداد الميزانية المتوقعة، أن يكون جزء من تكاليف العطلة بنظام التقسيط، وذلك بعد متابعتنا للعديد من العروض المطروحة عبر مواقع (سوشيال ميديا)، فاشترينا تذاكر السفر بالتقسيط عبر تطبيق سفر يتيح هذه الخاصية، وبالتالي دفعنا الدفعة الأولى من إجمالي التذاكر، على أن ندفع بقية المبلغ على ثلاث دفعات لاحقة».

وأضاف: «كانت الفكرة أساساً هي توفير أكبر مبلغ نقداً، لاستخدامه في مصروفات الرحلة الأخرى، ولذلك، بدت الفكرة مقبولة، وأضفنا إليها حتى الإقامات الفندقية، فإجمالي قيمة التذاكر تجاوز 6000 درهم، وتقسيط المبلغ على أربع دفعات يعني دفع مبلغ 1500 درهم فقط دفعة أولى، والبقية تُقسط على ثلاثة أشهر أخرى، وكذلك الأمر بالنسبة للفنادق، حيث شجعتنا فكرة التقسيط على اختيار فنادق من فئة خمس نجوم».

وتابع خليل: «بدأت المشكلة بعد العودة من العطلة، ودخول موعد استحقاق الدفعات الشهرية، ونظراً لأنني أجريت تعديلات على مسار الرحلات التي حجزتها مسبقاً، بسبب التأخر في الحصول على تأشيرة دخول لإحدى الدول الآسيوية، فقد ترتب على ذلك مشكلة أخرى تتعلق برسوم الإلغاء أو التعديل على الحجوزات، الأمر الذي شكّل خسارة مالية في قيمة التذاكر، مع دفع رسوم إلغاء وتعديل للتطبيق ذاته».

وقال خليل: «قد تكون فكرة السفر بالتقسيط مغرية وجذابة في البداية، لكنها مرهقة مالياً في حال إجراء أي تعديل على مسار الرحلة، أو إلغاء للحجوزات الفندقية المؤكدة والمدفوعة مسبقاً عبر تطبيقات التقسيط»، مضيفاً: «سأفكر أكثر من مرة مستقبلاً حتى لا أقع في الخطأ المالي نفسه».

فقدان السيطرة

في السياق نفسه، قال المتعامل بشار سليمان، إن طبيعة عمله تجعل دخله متقلباً من شهر إلى آخر، ورغم ذلك قرر استخدام ميزة الدفع لاحقاً لحجز عطلة، على أمل أن يتحسّن مدخوله المالي لاحقاً جراء عمله، لكن الأشهر التالية لم تكن جيدة بالنسبة له.

وأضاف: «مع تراكم الأقساط والالتزامات اليومية، أصبحت أعاني ضغوطاً مالية، وشعرت لفترة من الزمن بأنني فقدت السيطرة على ميزانيتي بسبب قرار متسرّع»، مشيراً إلى أنه استطاع السداد لاحقاً، لكنه لا ينصح بتكرار التجربة، خصوصاً بالنسبة للأشخاص غير القادرين على تحمل الأعباء المالية لاحقاً.

أمّا المتعامل أحمد سالم، فقال إنه سافر مرات عدة لمجاراة «تريند السفر» في عطلات قصيرة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى أنه استخدم ميزة الدفع لاحقاً في فترات متقاربة، ولم ينتبه إلى أن الأقساط ستتداخل مع التزامات مالية أخرى، ما سبب إرباكاً له، وأكد أن ذلك أثر في قدرته على الادخار. وأضاف سالم: «هو ميزة بالنسبة للمسافرين القادرين على ضبط ميزانياتهم، لكنه عبء مالي للبعض الآخر».

من جهتها، قالت المتعاملة إيمان السيد، إنها لم تحسب الأمور بشكل دقيق قبل السفر، كما أنها لم تضع خطة سداد على دفعات. وأوضحت: «اعتقدت أن الأقساط ستكون سهلة، لكنني لم أضع خطة واضحة للسداد ولم أحسب التزاماتي الشهرية الأخرى».

وتابعت: «بدأت أتأخر في دفع المستحقات الشهرية، ووجدت نفسي أدفع رسوماً وغرامات إضافية رفعت كلفة الرحلة بشكل ملحوظ، وفي النهاية دفعت أكثر مما كنت سأدفع لو انتظرت وسافرت عندما توفّر المبلغ». وقالت السيد: «خرجت من هذه التجربة بدرس مفاده أن متعة السفر تزداد بشرط أن تمتلك المال الذي تنفقه لا تقترضه».

منتجات تمويلية

إلى ذلك، قال الرئيس التنفيذي لـ«شركة الريّس للسفريات - مجموعة الريّس»، محمد جاسم الريس، إن «الإقبال على خطط تقسيط تكاليف السفر يشهد نمواً ملحوظاً في الفترة الحالية، مدفوعاً بظهور العديد من المنتجات التمويلية الجديدة في السوق، والتي تتيح للمتعاملين خيار تقسيط تكاليف السفر عبر أطراف خارجية».

وأضاف الريس لـ«الإمارات اليوم»: «لا أشجع على هذا النوع من الخطط»، مشيراً إلى أن شركته لا توفر خاصية «السفر بالتقسيط» بشكل مباشر، إلا أن المتعاملين الراغبين في السفر مع الشركة ولديهم ترتيبات تقسيط عبر جهات أخرى، يمكنهم الاستفادة منها دون أي عوائق.

وأكد الريس أن مفهوم السفر بالتقسيط قد لا يكون مناسباً لجميع المسافرين، لافتاً إلى أن السفر والسياحة يُعدان من الكماليات وليس من الأساسيات، وبالتالي ينبغي التعامل مع تكاليفهما بحذر ومسؤولية مالية.

وتابع: «من الأفضل للأشخاص غير القادرين على تحمل نفقات السفر، الانتظار والتخطيط للسفر في الوقت الذي تسمح فيه إمكاناتهم المالية بذلك، بدلاً من اللجوء إلى حلول قد تفرض عليهم التزامات مالية إضافية»، مبيناً أن بعض المسافرين، لاسيما الذين يسافرون مرات عدة خلال العام، ويتبعون توجهات و«تريندات السفر»، قد لا يمتلكون خطط ادخار واضحة، ما يجعل خيار التقسيط غير مناسب لهم، مؤكداً أن هذا النموذج لا يمكن تعميمه على الجميع.

وحذّر الريس من أن السفر، رغم كونه وسيلة للراحة والاستجمام، فقد يتحوّل إلى عبء مالي على بعض الأفراد، خصوصاً أولئك الذين يواجهون صعوبات مالية، حيث قد يجدون أنفسهم أمام التزامات وديون يصعب سدادها لاحقاً، مشدداً على أهمية التوازن بين الرغبة في السفر، والقدرة المالية.

ودعا المسافرين، إلى اتخاذ قرارات مدروسة تضمن لهم تجربة سفر مريحة دون التأثير سلباً في استقرارهم المالي على المدى الطويل.

حلول دفع مرنة

إلى ذلك، قال المدير التنفيذي لـ«شركة دبي العالمية للسفريات»، بدر أهلي، إن هناك توجهاً ملحوظاً نحو حلول الدفع المرنة، بما في ذلك خيارات «السفر بالتقسيط»، مضيفاً أن شعبية هذه الخطط، تزداد خصوصاً بين المسافرين الشباب وذوي الدخل المتوسط الذين يرغبون في حجز رحلاتهم المميزة دون دفع المبلغ كاملاً فوراً.

وأضاف: «خيارات الدفع المرنة تشجع على الحجز المبكر، ما يعود بالفائدة على كل من المسافرين ومنظمي الرحلات في إدارة الطاقة الاستيعابية والأسعار»، مشدداً على أهمية التوازن للاستفادة من هذه الخطط، بما في ذلك وجود خطة مالية لسداد الأموال دون صعوبات.

التخطيط المالي

في السياق نفسه، قال الخبير الاقتصادي والاستثماري، محمد المهري، إن «التخطيط المالي يُعد الخطوة الأولى والأساسية قبل اتخاذ قرار السفر».

وأوضح: «يجب ألا يتم السفر عبر الاقتراض أو تراكم الديون، لما يحمله ذلك من مخاطر مؤجلة تعرف في علم الاقتصاد بـ(المخاطر التراكمية)، التي تسهم في سوء التخطيط المالي على المدى الطويل».

وعرض المهري الأسلوب الأفضل للسفر، قائلاً: «أفضل أسلوب للتخطيط للسفر هو الادخار المسبق، من خلال اقتطاع مبلغ شهري من دخل الزوج والزوجة مخصص لرحلات مستقبلية، وذلك قبل موعد السفر بفترة كافية».

وأضاف أن «تحديد الميزانية المتاحة يجب أن يسبق اختيار الوجهة، بحيث يتم وضع خطط السفر والاحتياجات وفق المخزون المالي المتوافر لدى الفرد أو الأسرة»، لافتاً إلى أن بعض المسافرين لا يحتسبون التزاماتهم الأخرى عند اتخاذ قرار السفر، ليجدوا أنفسهم لاحقاً أمام التزامات متراكمة يصعب إدارتها.

ورأى المهري أن الدخول في مرحلة الاقتراض يحول السفر من تجربة ممتعة إلى مصدر للضغوط والمشكلات، لافتاً إلى أن تجارب كثيرين ممن سافروا عبر القروض لم تكن سعيدة، في حين أن من اعتمدوا على الادخار المسبق كانوا الأكثر شعوراً بالراحة ومتعة السفر.

وقال: «في حال تداخلت الالتزامات مع غياب أي قدرة حقيقية على الادخار، لا يكون السفر مكلفاً من حيث المال فقط، بل من حيث الاستقرار المالي أيضاً».

وتابع: «من لا يملك القدرة على تحمل الكُلفة اليوم، قد يكون من الأفضل له الانتظار إلى أن تتوافر الإمكانات المناسبة، فالسفر يجب ألا يكون عبئاً يلاحقه بعد العودة من العطلة».


تجربة مختلفة

 

كان المتعامل سامر الخطيب الوحيد ممن التقتهم «الإمارات اليوم» وقدّم تجربة مختلفة، قائلاً: إنه عندما قرّر السفر في عطلة قصيرة، لم يكن لديه المبلغ المخصص للإنفاق على التذاكر والإقامة والمصروفات كاملاً، مشيراً إلى أنه تحقق من وضعه المالي جيداً قبل استخدام ميزة «السفر بالتقسيط».

وأضاف الخطيب: «وضعت خطة سداد واضحة، وحدّدت الأقساط بما يتناسب مع دخلي الشهري دون أن تؤثر في المصروفات الأساسية، كما التزمت بالدفع في المواعيد المحددة، وأنهيت الأقساط دون أي ضغوط أو مشكلات».

• السفر قد يتحوّل إلى عبء مالي، خصوصاً على الذين يواجهون صعوبات مالية.

• الأفضل للسفر هو الادخار من خلال اقتطاع مبلغ شهري من دخل الزوج والزوجة.

• المسافرون مطالبون باتخاذ قرارات مدروسة تضمن لهم تجربة سفر مريحة، دون التأثير في استقرارهم المالي.