الثلاثاء، 09 يونيو 2026

دبي، الإمارات العربية المتحدة:
الطلب الاستثماري يسجل نمواً قوياً رغم تراجع الاستهلاك التقليدي للمعدن
أكد الخبير الاقتصادي المختص بالذهب والمعادن النفيسة أحمد عنيزان أن الارتفاع المستمر في أسعار الفضة لم يعد مجرد تطور اعتيادي في أسواق المعادن الثمينة، بل تحول إلى عامل رئيسي يعيد رسم ملامح الطلب العالمي على المعدن ويؤثر بشكل مباشر على العديد من القطاعات الصناعية والتكنولوجية حول العالم.
وأوضح عنيزان أن الفضة أصبحت عنصراً استراتيجياً في صناعات حيوية تشمل الطاقة الشمسية، والإلكترونيات، والسيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات، ومراكز البيانات، ما يجعل أي ارتفاع في أسعارها ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج وسلاسل التوريد العالمية.
وأشار إلى أن بيانات المؤسسات المتخصصة في سوق المعادن الثمينة أظهرت استمرار العجز في سوق الفضة العالمي للعام الخامس على التوالي، في ظل استمرار تجاوز الطلب العالمي لمستويات المعروض، الأمر الذي يواصل دعم الأسعار ويعزز جاذبية المعدن لدى المستثمرين.
وقال عنيزان: «اللافت اليوم أن تأثير ارتفاع الأسعار لم يكن متساوياً على مختلف أنواع الطلب، إذ بدأنا نشهد تراجعاً نسبياً في الطلب الاستهلاكي المرتبط بالمجوهرات والفضيات المنزلية، في مقابل نمو ملحوظ في الطلب الاستثماري على السبائك والعملات الفضية باعتبارها أدوات للتحوط وحفظ القيمة».
وأضاف أن قطاع الطاقة الشمسية يعد من أكثر القطاعات تأثراً بارتفاع أسعار الفضة، نظراً لاعتماده الكبير على المعدن في تصنيع الخلايا الكهروضوئية، الأمر الذي دفع العديد من الشركات العالمية إلى تسريع تطوير بدائل تقنية تعتمد بشكل أكبر على النحاس أو على مزيج من النحاس والفضة لتقليل التكاليف والحفاظ على القدرة التنافسية.
وبيّن أن شركات عالمية كبرى، وخاصة في الصين، بدأت بالفعل في توجيه استثمارات متزايدة نحو تقنيات إنتاج جديدة تقلل الاعتماد على الفضة، مؤكداً أن استمرار الأسعار المرتفعة قد يؤدي إلى تغييرات جوهرية في تكنولوجيا التصنيع خلال السنوات المقبلة.
وأشار عنيزان إلى أن الصين ستبقى لاعباً محورياً في تحديد اتجاهات الطلب العالمي على الفضة، سواء من خلال قطاع التصنيع أو مشاريع الطاقة المتجددة، إلا أن التطورات التقنية الرامية إلى خفض استهلاك المعدن قد تحد من وتيرة نمو الطلب الصناعي مستقبلاً.
وحول التوقعات السعرية، أوضح عنيزان أن العديد من المؤسسات المالية الدولية تنظر إلى الفضة اليوم باعتبارها أصلاً استثمارياً استراتيجياً يتأثر بعوامل التضخم وأسعار الفائدة وقوة الدولار والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب ارتباطه الوثيق بالنشاط الصناعي العالمي.
وأضاف: «الفضة تمر حالياً بمرحلة يمكن وصفها بإعادة تسعير دورها في الاقتصاد العالمي. فهي لم تعد مجرد بديل أقل تكلفة من الذهب، بل أصبحت جزءاً أساسياً من البنية التحتية للاقتصاد الحديث والتحول نحو الطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة».
وأكد أن هذه المعادلة تخلق تحدياً مزدوجاً، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار إلى الضغط على الطلب الاستهلاكي ودفع المصانع للبحث عن بدائل أقل تكلفة، بينما يعزز في الوقت نفسه جاذبية الفضة كأداة استثمارية في ظل استمرار العجز في المعروض العالمي.
وأوضح أن الفضة تختلف عن الذهب في طبيعة العوامل المؤثرة على أسعارها، إذ يتأثر الذهب بصورة أكبر بالسياسات النقدية وقرارات البنوك المركزية والطلب الاستثماري، بينما تجمع الفضة بين الطلب الصناعي والاستثماري في آن واحد، ما يجعل تحركاتها أكثر تعقيداً وحساسية للمتغيرات الاقتصادية العالمية.
واختتم عنيزان تصريحه بالقول: «ارتفاع أسعار الفضة لم يلغِ الطلب على المعدن، بل أعاد توزيعه بين القطاعات المختلفة. فالمستهلك أصبح أكثر حذراً، والصناعة أكثر ابتكاراً في إدارة التكاليف، بينما يزداد اهتمام المستثمرين بالفضة باعتبارها أحد أهم الأصول التحوطية في المرحلة الحالية. ولهذا تبقى الفضة اليوم واحدة من أكثر المعادن الاستراتيجية تعقيداً وتأثيراً في الاقتصاد العالمي، فهي تجمع بين كونها معدناً ثميناً وأداة استثمارية من جهة، ومكوناً أساسياً في الصناعات المستقبلية من جهة أخرى»