الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 06:40:36 م

«طيران الإمارات للآداب».. 17 عاماً من صناعة ذاكرة الكتاب في دبي

«طيران الإمارات للآداب».. 17 عاماً من صناعة ذاكرة الكتاب في دبي

دبي، الإمارات العربية المتحدة:

لم يعد مهرجان طيران الإمارات للآداب، منذ انطلاقه في دبي قبل 17 عاماً، مجرد موعد سنوي يلتقي فيه القراء بالكُتّاب من أنحاء العالم، بل تطور تدريجياً إلى مكوّن ثابت في المشهد الثقافي للمدينة، اتسع أثره من جلسات الحوار وتوقيع الكتب إلى التعليم والكتابة والترجمة والنشر ودعم المواهب الشابة، ليشكل مع مرور السنوات منظومة تتجاوز حدود المهرجان وأيامه إلى العمل الأدبي والثقافي على مدار العام.

بدأ المهرجان عام 2009 بمشاركة نحو 60 كاتباً وأديباً ونحو 50 فعالية، قبل أن يتوسع دورة بعد أخرى، مستقطباً أسماء أدبية وفكرية من ثقافات ولغات وتجارب مختلفة. وفي دورته الـ18، التي أقيمت في دبي من 21 إلى 27 يناير 2026، استضاف المهرجان نحو 200 متحدث من أكثر من 40 دولة، وقدم أكثر من 200 فعالية، شملت الجلسات الحوارية وورش الكتابة والأنشطة العائلية والعروض والبرامج المتخصصة.

ولا تعكس هذه الأرقام اتساع حجم المهرجان فحسب، بل تكشف مساراً آخر أكثر أهمية، فالحدث تحوّل من مساحة لعرض الكتب والمؤلفين إلى منصة للحوار حول الأدب بوصفه جزءاً من الحياة الثقافية والاجتماعية. فمنذ دوراته الأولى، تجاوزت جلساته الحديث عن الإصدارات الجديدة إلى أسئلة تتصل بمستقبل القراءة، وتحولات الكتابة، وعلاقة الأدب بالتكنولوجيا، وحضور الرواية العربية، ودور الترجمة في انتقال الأفكار بين اللغات والثقافات، فضلاً عن العلاقة بين الأدب المحلي والمشهد العالمي.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى المهرجان بوصفه سجلاً متغيراً للأسئلة الثقافية التي شغلت القراء والكتاب في المنطقة خلال ما يقارب عقدين، إذ لم تعد قيمة المشاركة فيه مرتبطة فقط باسم الكاتب أو عدد الحضور، وإنما بما تتيحه جلساته من لقاء مباشر بين تجارب أدبية مختلفة، وما تتركه تلك اللقاءات من أثر لدى القراء والكتاب والطلبة والموهوبين الجدد.

من المهرجان إلى المنظومة

التحول الأبرز في تجربة مهرجان طيران الإمارات للآداب جاء عندما لم يعد العمل الثقافي محصوراً في أسبوع المهرجان. ففي عام 2013 تأسست مؤسسة الإمارات للآداب، مستفيدة من نجاح المهرجان لتوسيع نطاق العمل على تنمية الثقافة الأدبية في الإمارات والمنطقة، ودعم القراء والكتاب والمواهب والمبادرات المرتبطة بالأدب. وتصف المؤسسة نفسها اليوم بأنها منظمة غير حكومية وغير ربحية، تهدف إلى بناء وتنمية الثقافة الأدبية في الإمارات والمنطقة.

ومن هنا، بدأت تتشكل طبقات جديدة حول المهرجان: برامج تعليمية، ومسابقات للطلبة، ومبادرات للكتابة والقراءة، وبرامج لاكتشاف المواهب، ومشروعات تستهدف تطوير مهارات المؤلفين والكتاب الشباب. وأصبح المهرجان بذلك واجهة سنوية لعمل أدبي يمتد على مدار العام، بدلاً من أن يكون نشاطاً ثقافياً ينتهي بانتهاء أيامه.

وتظهر أهمية هذا الامتداد بصورة خاصة في البرامج التعليمية التي تربط المؤسسة بالمدارس والطلبة والمعلمين، وتمنح الأجيال الجديدة فرصاً للقاء المؤلفين، والمشاركة في مسابقات القراءة والكتابة والشعر. وفي دورة 2026 وحدها، شارك 1609 طلاب في مسابقة «الشعر للجميع» المخصصة لطلبة المدارس في الإمارات، فيما شهدت الدورة نفسها فعاليات ومسابقات متعددة، احتفت بالكتابة والإبداع لدى الفئات العمرية الصغيرة.

وتكشف هذه البرامج عن بعد ثقافي يتجاوز فكرة «استضافة الكاتب»، فالكاتب هنا لا يأتي إلى دبي ليقدم كتابه فقط، وإنما يتحول حضوره إلى فرصة للتفاعل مع جيل جديد من القراء، وربما إلى نقطة بداية لعلاقة أطول مع القراءة والكتابة والمعرفة.

من القارئ إلى الكاتب

في يناير 2022، انتقلت التجربة خطوة أخرى مع إطلاق دار النشر المستقلة «ELF Publishing»، التي بدأت عملها بالتركيز على الرواية، مع نشر الكتب بالعربية والإنجليزية، وإصدار أعمال مترجمة. وجاء إطلاق الدار بوصفه امتداداً طبيعياً للمسار الذي بدأه المهرجان عام 2009، ونقلة من دعم القراءة والاحتفاء بالمؤلفين إلى الإسهام في إنتاج الكتب وإيصالها إلى الجمهور.

وكان من بين أهداف الدار إتاحة مساحة للأصوات الجديدة من الإمارات والمقيمين فيها، إلى جانب الاهتمام بالقصص المرتبطة بالمنطقة، وبالذاكرة الشفوية والتاريخ المحلي، وتحويل بعض هذه الروايات والتجارب إلى أعمال مكتوبة. كما شملت الرؤية نشر الأعمال بالعربية والإنجليزية، وإتاحة بعضها بالترجمة، بما يجعل النشر جزءاً من مشروع أوسع للتبادل الثقافي.

وهنا يتضح تحول جوهري في وظيفة المنظومة، فبعد أن كان القارئ يأتي إلى المهرجان للقاء الكاتب، أصبحت هناك مسارات يمكن أن تقود القارئ إلى الكتابة، والكاتب إلى النشر، والعمل المحلي إلى الترجمة، والقصة الشفوية إلى الكتاب. وهي دائرة ثقافية متكاملة تجعل المهرجان جزءاً من بنية أدبية أوسع، لا مجرد حدث موسمي.

حوار عالمي

وفي موازاة استضافة الأسماء العالمية والعربية، حافظ المهرجان على مساحة واضحة للأصوات الإماراتية، مقدماً الكتاب والشعراء والمبدعين المحليين إلى جمهور يضم قراء وكتاباً من ثقافات متعددة. وفي دورة 2026، ضم البرنامج عدداً من الأسماء الإماراتية في الشعر والرواية والكتابة وأدب الطفل، إلى جانب كتّاب من المنطقة والعالم.

وتكمن أهمية هذا الحضور في أنه لا يقدم الأدب الإماراتي باعتباره مادة محلية منفصلة، وإنما يضعه داخل حوار أوسع مع الأدب العربي والعالمي. فالكاتب الإماراتي يجاور في البرنامج روائياً عربياً أو شاعراً عالمياً أو مؤلفاً للأطفال أو كاتباً متخصصاً في نوع أدبي مختلف، بما يفتح المجال لتبادل الخبرات والأسئلة، ويمنح الجمهور فرصة للتعرف إلى التجربة الإماراتية من داخلها، وفي سياق أدبي دولي.

وتأخذ الترجمة في هذا السياق أهمية خاصة، بوصفها واحدة من الأدوات التي تربط الآداب والثقافات. وقد عزز المهرجان في السنوات الأخيرة حضوره في هذا المجال، انطلاقاً من رؤية تعتبر الترجمة وسيلة لنقل الأدب العربي إلى لغات أخرى، وفي المقابل تعريف القارئ العربي بالأعمال العالمية.

أثر يتجاوز الأرقام

تكشف حصيلة المهرجان عن حجم يصعب اختزاله في عدد أيام الدورة أو عدد جلساتها. فخلال أول 16 عاماً، استضاف أكثر من 2000 كاتب من أكثر من 100 دولة، ووصلت برامجه، حضورياً وعبر البث المباشر، إلى أكثر من 380 ألف شخص، وفق بيانات مؤسسة الإمارات للآداب.

لكن الأرقام، على أهميتها، لا تختصر التجربة. فالأثر الأكثر دلالة يكمن في ما تراكم حول المهرجان من برامج للطلبة، ومسارات للكتاب، ومبادرات للقراءة، ومسابقات لاكتشاف المواهب، ومشروعات للنشر والترجمة، ومحاولات لحفظ الذاكرة المحلية من خلال الكتابة.

ومن هذه الزاوية، تبدو السنوات الـ18 للمهرجان أشبه بمسار تطور ثقافي أكثر منها سلسلة متعاقبة من الدورات. فقد بدأ الحدث من سؤال بسيط: كيف نقرّب الكتاب من القارئ؟ ثم اتسع السؤال تدريجياً ليشمل: كيف نخلق قارئاً جديداً؟ كيف ندعم الكاتب؟ كيف يصل الكتاب المحلي إلى العالم؟ وكيف يمكن للأدب أن يحفظ جانباً من ذاكرة المكان وتحولاته؟

ذاكرة مدينة

بعد 18 دورة، أصبح مهرجان طيران الإمارات للآداب جزءاً من ذاكرة دبي الثقافية، لا باعتباره فعالية تتكرر كل عام فحسب، وإنما باعتباره مساحة شهدت على مدى سنوات لقاء أجيال من القرّاء والكتاب والمفكرين والمترجمين، ورافقت تحول العلاقة مع الكتاب من الورق إلى المنصات الرقمية، ومن القراءة الفردية إلى الحوار الجماعي.

وفي مدينة ارتبطت صورتها العالمية بسرعة التحول والمشروعات الكبرى، يقدم المهرجان نموذجاً مختلفاً لفكرة البناء، بناء لا يُقاس بعدد الأبراج أو اتساع الطرق، وإنما بما يتراكم في الذاكرة من كتب وأفكار وأصوات وحكايات. فالمباني تصنع صورة المدينة، أما الثقافة فتمنحها ذاكرتها، والكتاب أحد أكثر أشكال هذه الذاكرة قدرة على البقاء والانتقال من جيل إلى آخر.

الحدث تحوّل من مساحة لعرض الكتب والمؤلفين إلى منصة للحوار حول الأدب بوصفه جزءاً من الحياة الثقافية والاجتماعية.

في عام 2013 تأسست مؤسسة الإمارات للآداب، مستفيدة من نجاح المهرجان في العمل على تنمية الثقافة الأدبية في الإمارات.