الأربعاء، 04 نوفمبر 2026

عالمية:
كشفت دراسة علمية حديثة أن توفر المياه العذبة لم يكن العامل الوحيد الذي حدد أماكن استقرار البشر الأوائل في صحارى الجزيرة العربية، إذ لعبت طبيعة الصخور والمواد الخام اللازمة لصناعة الأدوات الحجرية دوراً حاسماً في اختيار مواقع العيش والهجرة.
ووفقاً لتقرير نشره موقع «نيو ساينتست»، عثر باحثون على أدلة لوجود بحيرات عذبة قديمة في مناطق من الربع الخالي، لكنها خلت من آثار واضحة للاستيطان البشري، رغم توافر المياه ومؤشرات على وجود الحياة قبل عشرات آلاف السنين.
بحيرات قديمة بلا آثار بشرية
وقاد رودولف ديلمور، من جامعة فيينا، فريقاً بحثياً في رحلة استكشافية عبر الربع الخالي، الذي يمتد على مساحة تقارب 650 ألف كيلومتر مربع في جنوب شبه الجزيرة العربية.
وفحص الباحثون 125 موقعاً بحثاً عن آثار بحيرات قديمة تعود إلى فترة تتراوح بين 122 ألفاً و67 ألف سنة، وهي مرحلة شهدت وجود البشر الأوائل في الجزيرة العربية.
وأسفرت عمليات المسح عن العثور على أدلة لوجود بحيرات في 55 موقعاً، شملت أصداف حلزونات ومحار مياه عذبة وشظايا من قشور بيض النعام وآثار حيوانات على القيعان الطينية، لكن المفاجأة كانت غياب الأدوات الحجرية وأي مؤشرات واضحة على استقرار البشر في تلك المواقع.
الصخور تحدد أماكن الاستقرار
ولفهم أسباب غياب الآثار البشرية، استخدم الباحثون نماذج حاسوبية جمعت بين بيانات مصادر المياه القديمة والتركيب الجيولوجي لشبه الجزيرة العربية، قبل مقارنة النتائج بتوزيع مئات المواقع الأثرية.
وأظهرت التحليلات أن 57% من المناطق التي كان الوصول إليها ممكناً عند توافر المياه تفتقر إلى الصخور المناسبة لصناعة الأدوات الحجرية.
وأوضح الباحثون أن البشر الأوائل اعتمدوا بصورة كبيرة على الصخور في تصنيع أدواتهم اليومية، ما جعلهم يفضلون المناطق القريبة من مصادر المواد الخام، مثل الصوان والشرت والسبج والكوارتز.
لماذا لم تجذب البحيرات البشر؟
وأشار جيفري روز، من جامعة الغرب في البرتغال والمشارك في الدراسة، إلى أن المواقع الأثرية من العصر الحجري غالباً ما تتركز بالقرب من النتوءات الصخرية التي توفر المواد المناسبة للتصنيع.
وأضاف أن البحيرات التي تغذت بالمياه الجوفية في الربع الخالي لم تكن توفر بالضرورة أنواع الصخور المطلوبة، على عكس بعض البيئات النهرية التي تجمع بين المياه والمواد الخام.
ويرجح الباحثون أن المناطق الفقيرة بهذه الموارد ربما شهدت زيارات بشرية محدودة من مجموعات صغيرة ولفترات قصيرة، بدلاً من الاستقرار طويل الأمد.
الجيولوجيا تعيد رسم خريطة الهجرة البشرية
وتقدم نتائج الدراسة تفسيراً جديداً لمسارات انتشار البشر الأوائل في الجزيرة العربية، مؤكدة أن توفر المياه وحده لم يكن كافياً لتحديد مواقع الاستقرار.
كما تكشف أن طبيعة الأرض والموارد الحجرية كانت عاملاً أساسياً في حركة الإنسان القديم، إلى جانب المناخ والمياه، ما يضيف بُعداً جديداً لفهم تاريخ الهجرات البشرية وتطور المجتمعات الأولى.