الأحد 31 أغسطس 2025 - 05:59:07 ص

عمليات تسريح العمالة تتسارع .. والسبب الذكاء الاصطناعي

عمليات تسريح العمالة تتسارع .. والسبب الذكاء الاصطناعي

دبي، الإمارات العربية المتحدة:

أعلنت «مايكروسوفت»، بحسب وصف رئيسها التنفيذي، ساتيا نادالا، أنها «تزدهر»، إذ قفزت أرباحها الفصلية بنحو 25 %، وبلغت قيمتها السوقية منذ أيام 4 تريليونات دولار، وفي ظروف طبيعية من غير المنطقي أن تقدم الشركة، في ظل هذا الأداء، على تسريح آلاف الموظفين.

 

رغم ذلك فإن السعي نحو تقليص حجم القوى العاملة ليس أمراً جديداً؛ ففي أوقات عدم اليقين الاقتصادي تلجأ الشركات إلى تقليص عدد الموظفين أو التخلص من أوجه القصور، غير أن الوضع اليوم يتجاوز مجرد تحقيق المزيد بموارد بشرية أقل، فالشركات باتت تستعد لواقع قد لا يكون فيه ما يكفي من العمل لموظفيها بشكل عام.

 

وبينما يؤكد قادة الأعمال أن الذكاء الاصطناعي «يعيد تصميم» الوظائف بدلاً من تقليصها عليها فإن عناوين الأخبار تروي قصة مختلفة، و«مايكروسوفت» ليست استثناء، بل انضمت إلى شركات كبرى مثل «إنتل» و«بي تي»، اللتين أعلنتا تسريح آلاف الموظفين في خطوات مرتبطة مباشرة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

وفي السابق كانت قرارات خفض العمالة تقابل بشيء من الأسف، أما اليوم فيراها كثير من المديرين التنفيذيين دليلاً على النجاح، ضمن مساعي الشركات لتحقيق أرباح أكبر، من خلال الاعتماد على عدد أقل من الموظفين.

 

وأصبح الدخل لكل موظف مقياساً مهماً للأداء في قطاع التكنولوجيا. وتتفاخر الشركات الناشئة التي تعمل مع مسرّعات الأعمال بتأسيس الشركات بفرق عمل ضئيلة.

وينشر موقع إلكتروني باسم «قاعة مشاهير فرق العمل الضئيلة» عن الشركات، التي تحقق أرباحاً بعشرات أو مئات الملايين من الدولارات، ويعمل لديها عدد قليل للغاية من الموظفين.

 

وقد ذهب سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لدى «أوبن إيه آي»، إلى ما هو أبعد، إذ توقع أن نشهد يوماً ما شركة تبلغ قيمتها مليار دولار، ولا يعمل بها سوى شخص واحد.

 

وحتى الآن قد يبدو هذا بعيد المنال، لكن لا شك في أن النماذج اللغوية الكبيرة تعمل بالفعل على إعادة صياغة وظائف ذوي الياقات البيضاء.

وفي حين يشهد عصر الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة، وتعيد الشركات توظيف بعض العاملين، إلا أنه سيقضي في المقابل على الكثير من الوظائف، وتزداد إشارة الشركات إلى أن المهام، التي ينجزها هؤلاء الموظفون لم تعد موجودة.

 

ومن الواضح على سبيل المثال أن توظيف المبرمجين قد انخفض للغاية. ويشير صندوق الوارد على بريدي الإلكتروني يومياً إلى أمثلة على مهارة الذكاء الاصطناعي مقارنة بالبشر.

 

ومن بين آخر التطورات في هذا الصدد خفضت واحدة من الشركات الأربع الكبرى للتدقيق إلى أن أوقات التنفيذ لديها لتسليم البحوث بنسبة 75 % ووفرت 3.600 ساعة من ساعات عمل المحللين عن طريق استخدام تقارير يولّدها الذكاء الاصطناعي.

 

لذلك يجب على الموظفين من الشباب على وجه الخصوص أن يشعروا بالقلق بشأن هذا التوجه، في ظل الإطاحة بدرجات بأكملها من السلم الوظيفي، ما يوّض المسارات التقليدية للوظائف، والأمر هنا لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي فحسب بل هناك عوامل أخرى تتسبب في سهولة الاستغناء عن توظيف العاملين المبتدئين، مثل تعهيد الأعمال إلى أطراف في الخارج، وضبط الموازنات في أعقاب الجائحة، علاوة على أعوام من النمو المخيب للآمال، ثم يأتي الذكاء الاصطناعي، ليفاقم هذه الضغوط.

 

وقال ديرك هان، الرئيس التنفيذي بشركة «هايس» للتوظيف: «في حين ستكون هناك استثناءات إلا أن صعود الذكاء الاصطناعي يشكل ضغوطاً على تعافي بعض وظائف المبتدئين ذوي الياقات البيضاء»، وإذا كانت أعداد الوظائف بصدد التناقص، تُرى ماذا سيحل بالموظفين مستقبلاً؟ وما الشكل الذي ستكون عليه المؤسسات إذا كان هناك عدد أقل من الوظائف للمبتدئين والأدوار الإدارية من الدرجة المتوسطة؟ بالتأكيد ثمة حاجة لإعادة تعريف التطوير المهني والقيادات.

 

وستكون هناك أيضاً عواقب ثقافية، إلى جانب تلك الاقتصادية، وإذا لن تكون الوظائف متوفرة بسهولة فهل ستحافظ الدرجات العلمية من الجامعات على قيمتها؟

 

لقد أصبحت المسارات المهنية «متعرجة» بالفعل، ولم تعد مباشرة ومستقيمة، فقد تسبب صعود العمل الحر وتوظيف المتعاقدين في تفتيت طبيعة العمل في العديد من الحالات، ولم يُزِد الذكاء الاصطناعي هذه المسألة إلا تفاقماً، والسؤال هو: هل المؤسسات ذات أعداد العاملين الأقل أفضل من غيرها؟

 

شخصياً لست على قناعة بأن هذه الشركات أكثر مرونة حتى وإن شهدت أداء مالياً أفضل، ولعل الاتخاذ الأسرع للقرارات رائع، وكذلك خفض المصروفات العامة، لكن قد يعني هذا توفر مصادر أقل للبحث والتطوير، أو الوظائف القانونية، أو الامتثال، وماذا عن قدرة شركة ما على الصمود في وجه الصدمات، سواء كانت اضطرابات في سلاسل التوريد أو معدل دوران الموظفين، أو ربما روبوتات منفلتة!

 

لقد عادت بعض الشركات، مثل «كلارنا»، أدراجها من جديد، فشركة المدفوعات، التي استخدمت الذكاء الاصطناعي، ليساعدها في تقليص قوتها العاملة بالآلاف فيما سبق، بصدد إجراء تجربة لمعاودة توظيف العمالة البشرية، لتساعدها في خدمة العملاء.

 

وبالنسبة للمتحمسين لقطاع التكنولوجيا، الذين يروّجون للشركات ضئيلة القوى العاملة، فإنهم يقللون من تقدير التعقيد، الذي تتسم به العمليات المؤسسية وثقافات الشركات، التي تُبنى على أكتاف العلاقات البشرية والتفاعلات.

 

في النهاية في حين يمكن للذكاء الاصطناعي بلا شك أن يتحمّل رتابة الأعمال إلا أنه يجب إجراء تقييم جديد للعنصر البشري، سواء من أجل الإبداع، أو الذكاء العاطفي، وحتى إصدار الأحكام المعقدة، غير أن ذلك لن يتحقق إلا إذا استثمرنا فيمن يتمتعون بهذه الصفات، ويدربون الجيل التالي من الموظفين، الذين تتضاءل الفرص المتاحة لهم حالياً.