الأحد 31 أغسطس 2025 - 05:53:06 ص

هل يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في انتشال أمريكا من مأزق الديون؟

هل يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في انتشال أمريكا من مأزق الديون؟

دبي، الإمارات العربية المتحدة:

عندما كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن «مشروع قانونه الضخم والجميل» الشهر الماضي، استخدم النقاد بيانات من مكتب الميزانية بالكونجرس في واشنطن لمهاجمته.

 

إن مكتب الميزانية بالكونجرس مكلف بوضع التوقعات المالية الأمريكية على المدى الطويل، وحتى قبل مبادرة القانون تلك، وما تضمنته من تخفيضات ضريبية بتريليونات الدولارات، كان السيناريو الأساسي لمكتب الميزانية بالكونجرس - باستخدام سياسات وأسس ثابتة - هو أن الدين سيقفز من 100% من الناتج المحلي الإجمالي الحالي إلى 156% بحلول عام 2055.

 

ومع ذلك، كان هناك تحذير بالغ الأهمية، ونادراً ما يلاحظ، وهو أنه: بينما تستحوذ توقعات مكتب الميزانية بالكونجرس على كل الاهتمام، فقد أصدر أخيراً ثمانية توقعات أخرى تظهر التأثير المحتمل لتغير الأسس.

 

وبعضها أكثر إثارة للقلق - على سبيل المثال، إذ إنه لو ارتفعت أسعار الفائدة بمقدار 5 نقاط أساس سنوياً أكثر من توقعات مكتب الميزانية بالكونجرس، فإن الدين سيتجاوز 200%، ومع ذلك، فإنه إذا نمت الإنتاجية السنوية بمقدار 0.5 نقطة مئوية أكثر من توقعات مكتب الميزانية في الكونجرس بسبب الذكاء الاصطناعي، فإن الدين سيستقر عند 113% «فقط» من الناتج المحلي الإجمالي، حتى من دون التقشف.

وبينما لا يعزو تقرير مكتب الميزانية في الكونجرس هذا إلى الذكاء الاصطناعي فقط، فقد أشاد سابقاً بتأثير التكنولوجيا على الإنتاجية. «ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل المشكلة المالية الأمريكية»، حسبما تقترح مجموعة أبولو لرأس المال الخاص. فهل هذا جيد جداً لدرجة يصعب تصديقها؟ ربما، وهناك 3 أسباب على الأقل للتشكيك في التفاؤل.

 

أولاً: يظهر التاريخ أن الابتكار يؤثر على الإنتاجية بطريقة لا يمكن التنبؤ بها، وتشير مؤسسة بروكينجز، على سبيل المثال، إلى أن الإنتاجية السنوية ارتفعت بنحو 3% بين عامي 1995 و2005، ربما بسبب الرقمنة، كانت النسبة 1.5% فقط بين عامي 2005 و2022، وكانت منخفضة بالقدر نفسه بين عامي 1973 و1995.

 

وأعرب روبرت سولو، الحائز على جائزة نوبل، عن أسفه في عام 1987 لأن أجهزة الكمبيوتر «كانت في كل مكان» باستثناء إحصاءات الإنتاجية.

 

ثانياً: نشأ هذا التأثير غير المتكافئ في الماضي نظراً للتنوع الكبير في كيفية تبني الشركات للابتكار. ويمكن أن يزداد ذلك مع الذكاء الاصطناعي، حسبما تشير أكسفورد إيكونوميكس.

 

ثالثاً: بقدر ما ترتفع الإنتاجية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إطلاق العنان للاضطرابات الاجتماعية، نظراً لأن مجموعات مثل جيه بي مورجان وصندوق النقد الدولي تعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل محل نصف الوظائف في الولايات المتحدة بحلول عام 2034.

 

وقد حدث مثل هذا الاضطراب على هذا النطاق من قبل. لننظر فقط إلى الثورات الصناعية أو الزراعية. ومع ذلك، فقد وقعت تلك الصدمات على مدى أطول (يعتقد جيه بي مورجان أن الأمر استغرق 15 و32 و61 عاماً على التوالي حتى كان للإنترنت والكهرباء والمحركات البخارية تأثير ملحوظ على الإنتاجية)، علاوة على ذلك.

 

قامت الحكومات من جانبها بإصلاحات سياسية رئيسية، مثل إدخال التعليم الشامل ودولة الرفاهية. لكن هذه المرة، يعتقد بنك جيه بي مورغان أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحدث تغييراً في الإنتاجية في غضون 7 سنوات فقط.

وحتى الآن، لا يظهر البيت الأبيض أي إشارة إلى إعداد مجموعة استباقية من السياسات الصناعية والاجتماعية المعقولة لتعويض التكاليف التي تقع على البشر جراء ذلك. ويكمن الخطر، إذن، في أن يطلق الذكاء الاصطناعي العنان للصراعات السياسية والاجتماعية، ما سيضعف النمو ويقوض الإصلاح المالي.

 

في المقابل لدى المتفائلين أيضاً رد على هذه النقاط الثلاث. فبيانات الإنتاجية الأخيرة الكئيبة تعني أنه حتى التحولات المتواضعة في هذه السلسلة يمكن أن تغير الإحصاءات بشكل ملحوظ.

 

وعلى سبيل المثال، يتوقع بنك جيه بي مورغان أن الذكاء الاصطناعي سيعزز النمو بنحو 10% فقط بحلول عام 2034، بينما يتوقع جولدمان ساكس وبرايس ووترهاوس كوبرز نمواً أكبر بنسبة 15 و20% على التوالي.

وقد لا تمثل حقيقة أن الشركات تستجيب للابتكار بشكل غير متساوٍ كارثة كبيرة، إذ يشير تقرير حديث مثير للاهتمام صادر عن شركة ماكينزي إلى أن ما يحدد نمو الدول حقاً هو مدى تبني بعض الشركات الكبرى المؤثرة للابتكار (أم لا)، وليس ما يحدث في المتوسط.

كذلك، فإنه في حين فشلت إدارة ترامب الحالية حتى الآن في صياغة استجابة سياسية متماسكة لنمو الذكاء الاصطناعي - من النوع الذي كشفت عنه سنغافورة، على سبيل المثال - فقد تفعل ذلك الإدارات المستقبلية.

 

وعموماً، فقد أصبح خبراء التكنولوجيا الآن أكثر انخراطاً في التعامل مع الإدارة في واشنطن، وقد أظهر نظام ترامب مدى سرعة التحول التي يمكن أن تحدثها «نافذة أوفرتون» - وهي مجموعة الأفكار السياسية المطروحة للنقاش العام.

 

لذلك، لا يمكن استبعاد أي شيء على صعيد السياسات المستقبلية إذا انفجر الصراع الاجتماعي. وسرد هذه الردود المضادة لا يعني أنني أؤيد هذه الأطروحة المتفائلة القائلة إن الذكاء الاصطناعي هو المنقذ - أو على الأقل ليس بعد، فلا تزال صدمة الذكاء الاصطناعي حديثة العهد لدرجة أنني أفترض أنه إذا كان هناك أي شيء سيغير مسار الدين الأمريكي.

فسيكون التضخم أو القمع المالي أو التخلف الضمني عن السداد. مع ذلك، فإن سيناريو الذكاء الاصطناعي المتفائل لمكتب الميزانية في الكونجرس مهم لسببين، أولاً، إنه تذكير مهم بتقلبات التوقعات الاقتصادية.

وثانياً، يساعد هذا في تفسير تصرفات وتفكير فريق ترامب السياسي. فبينما يخشى منتقدو ترامب (معظم الاقتصاديين السائدين) أن أمريكا تتجه نحو ديون متزايدة وركود تضخمي في أعقاب قرار «الميزانية»، فإن الفريق الاقتصادي للبيت الأبيض لا يرى الأمر على هذا النحو، إذ إنهم يؤمنون بالرؤية المتفائلة لمكتب الميزانية في الكونجرس.

ويعتقدون أن تحرير الاقتصاد ومعجزة إنتاجية الذكاء الاصطناعي سيؤديان إلى انخفاض التضخم وزيادة النمو وانخفاض الديون. والأهم من ذلك، أنهم يريدون أيضاً أن تجني أمريكا أكبر قدر من الفوائد العالمية من ذلك، على حساب أوروبا، من بين دول أخرى.

 

المنتقدون يرون هذا سراباً، أو، باستخدام مصطلحات الذكاء الاصطناعي، «هلوسة». ولكن لا ينبغي تجاهله. إذن، ينبغي أن تتجه الأنظار إلى التوقعات الأقل شهرة لمكتب الميزانية في الكونجرس - ليس فقط للمستثمرين في أسهم التكنولوجيا، ولكن أيضاً لحاملي سندات الخزانة.