الجمعة، 23 يناير 2026

دبي، الإمارات العربية المتحدة:
لم يعد الذهب ذلك “اللاعب الاحتياطي” الذي يُستدعى فقط في أوقات الأزمات كملاذ آمن أو أداة للتحوط، بل بات اليوم لاعباً رئيسياً في معادلة الاقتصاد والسياسة العالمية، مع تحوّله من مجرد مخزن للقيمة إلى أداة استراتيجية ذات أبعاد جيوسياسية واقتصادية متشابكة.
فحين يتحول الذهب إلى عنصر فاعل في توازنات القوى الدولية، يصبح تأثيره الاقتصادي أكبر بكثير من مجرد تحركات سعرية طبيعية ناتجة عن العرض والطلب. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية بين القوى العظمى، وتنامي الصراعات الاقتصادية والتجارية، إضافة إلى التحديات التي تواجه الاقتصاد الأمريكي والنظام النقدي العالمي القائم على الدولار، برز الذهب كأحد أبرز المستفيدين من هذا التحول التاريخي.
جميع المحركات التي قادت صعود الذهب خلال عام 2025 ما زالت قائمة حتى اليوم، بل ازدادت زخماً. في مقدمة هذه العوامل يأتي التوسع غير المسبوق في مشتريات البنوك المركزية من الذهب، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على العملات الورقية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي. هذه المشتريات لم تعد مجرد تحوط تقني، بل أصبحت قراراً استراتيجياً يعكس تغيراً في نظرة الدول إلى مفهوم السيادة النقدية والأمن المالي.
كما أن حالة عدم اليقين التي تهيمن على المشهد الاقتصادي العالمي، سواء من حيث تباطؤ النمو في بعض الاقتصادات الكبرى، أو تصاعد مستويات الدين العام، أو اضطراب سلاسل الإمداد، جميعها عززت من جاذبية الذهب كأصل لا يرتبط مباشرة بمخاطر الأنظمة المالية التقليدية.
ومع دخولنا عام 2026، بات واضحاً أن التعامل مع الذهب لم يعد مقتصراً على الحكومات والبنوك المركزية فحسب، بل شمل مختلف الفاعلين في الأسواق: من مؤسسات مالية، وصناديق استثمار، وشركات، وصولاً إلى المستثمرين الأفراد. الجميع اليوم ينظر إلى الذهب والفضة ليس فقط كأدوات للتحوط أو لحماية الثروات، بل كلاعبين أساسيين في تحقيق الأرباح وبناء الاستراتيجيات الاستثمارية المستقبلية.
هذا التحول الجوهري في النظرة إلى الذهب كان له أثر مباشر على أسعاره، التي شهدت ما يمكن وصفه بـ”الصعود الذهبي”، حين بلغ سعر الأونصة مستوى تاريخياً قرب 4,800 دولار، في ظل طلب قوي ومتزايد من مختلف الأطراف. ومع استمرار الظروف الحالية والتحركات القائمة في الأسواق النقدية والجيوسياسية، تتجه الأنظار بثقة إلى مستوى 5,000 دولار للأونصة خلال الربع الأول من عام 2026.
في المحصلة، لم يعد الذهب مجرد ملاذ آمن في أوقات الأزمات، بل أصبح مرآة تعكس اختلالات النظام المالي العالمي، وأداة تعبير عن إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية. وبينما تتغير قواعد اللعبة في الاقتصاد العالمي، يبدو أن الذهب عاد ليتصدر المشهد، لا كرمز تاريخي فقط، بل كلاعب رئيسي في مستقبل المال والسياسة معاً.