الأثنين، 23 فبراير 2026

دبي، الإمارات العربية المتحدة:
أفاد 41.6% من الأسر في الإمارات بأن ميزانية الإنفاق على الطعام والشراب ترتفع بنسبة 50% أو أكثر خلال شهر رمضان، مرجعين زيادة الإنفاق إلى خمسة أسباب رئيسة شملت: تميّز وتنوع المائدة الرمضانية في المنازل، والتوسع في شراء العروض الترويجية بما يفوق حاجة الأسرة، وكثرة دعوات الإفطار والسحور وتبادل الأطباق بين الجيران والأقارب، بينما أظهرت إحصاءات رسمية أن أكثر من 3.27 ملايين طن من الغذاء تُهدر سنوياً في الإمارات، وأن 61% من الطعام المُهدر سنوياً من إنتاج الأسر في المنازل، وأن نسبة الهدر قد تصل إلى 30% من الطعام المعدّ خلال شهر رمضان، بينما أكد مختصون أهمية حدوث تغيير جذري في ثقافة الاستهلاك المنتشرة في المجتمع.
وتفصيلاً، أظهرت نتائج استطلاع أجرته «الإمارات اليوم»، عبر حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، وشارك فيه نحو 2000 شخص، أن 30.5% من المشاركين أكدوا أن ميزانية الأسرة الخاصة بالإنفاق على الطعام والشراب ترتفع بنسبة تراوح بين 10 و20% خلال شهر رمضان، وأشار 27.9% إلى ارتفاع ميزانية الطعام والشراب بنسبة 30 أو 40%، وبيّن 41.6% ارتفاع ميزانيتهم الأسرية خلال شهر رمضان بنسبة 50% أو أكثر.
كما أظهرت إحصاءات صادرة عن مبادرة «نِعمة»، المبادرة الوطنية للحد من فقد وهدر الغذاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، أن 67% من المواطنين و55% من المقيمين في الدولة يجدون صعوبة في تجنّب هدر الطعام، وأن 85% من السكان ينظرون إلى هدر الطعام على أنه يعدّ مصدر قلق بالغ الأهمية على المستوى الوطني، ما يؤكد ضرورة مواجهة هذه الظاهرة، لتعزيز الأمن الغذائي الوطني ومعالجة تغير المناخ.
تسوّق غير مدروس
وحدّدت آراء المشاركين في الاستطلاع خمسة أسباب لزيادة الإنفاق على الطعام خلال شهر رمضان، شملت تميز المائدة الرمضانية في كل المنازل بتنوع أصنافها، وعدم خلوّها من اللحوم والدجاج، إلى جانب كثرة دعوات الإفطار والسحور، وحرص الأسرة المضيفة على أن تضم المائدة أصنافاً متعددة من الطعام، وتحضير أطباق خاصة برمضان لا تُعدّ في بقية العام، وتبادل الأطباق بين الجيران والأقارب، وزيادة المقبلات والحلويات والعصائر، وتغير نمط الاستهلاك، والتوسع في شراء العروض الترويجية التي توفرها مراكز التسوق طوال الشهر الفضيل، بما يفوق حاجة الأسرة.
واعتبر مشاركون أن غياب الثقافة المجتمعية بشأن الاستهلاك الأمثل للطعام يُعدّ سبباً رئيساً في الإسراف في كميات الطعام، كما يُعدّ العائق والسبب الأكبر وراء ارتفاع نسبة الهدر، ما يتطلب تغييراً جذرياً لهذه الثقافة، لتقليص نسبة هدر الطعام خلال شهر رمضان بصفة خاصة، وطوال العام بصفة عامة إلى الحد الأدنى، بما يتوافق مع المقصد من الصوم، وذلك عبر غرس قيم حفظ النعمة في نفوس الأفراد منذ الصغر.
سلوك مذموم
من جانبه، قال أستاذ محاضر في الثقافة والمجتمع بعدد من الجامعات الإماراتية، المستشار الأسري الدكتور سيف راشد الجابري، إن تعدّد أصناف الطعام على المائدة لا يعد تبذيراً، وإنما التبذير هو أن تكون كميات الطعام تكفي أعداداً أكثر من الأشخاص الموجودين حول المائدة، لذا يجب أن يكون الطعام للاستهلاك الشخصي فقط، وأن يكون بمقدار الحاجة، حتى لا يهدر ويكون مصيره مكب النفايات، ومن المظاهر الملاحظة عند بعض الناس الإسراف في الطعام والشراب، وهو سلوك غير محبّذ، لذا يجب التحلي بسلوكيات تحافظ على نعمة الطعام، وهو الأمر الذي يجسد الالتزام بالتعاليم الإسلامية المتعلقة بالحد من الهدر والإسراف.
وأضاف: «جميع الأديان والقيم الاجتماعية حثت على الترشيد وعدم التبذير، ونهى الله في كتابه عن الإسراف والتبذير في محكم تنزيله، ولا ينبغي للإنسان مخالفة ذلك، لأن الإسراف والتبذير يضران بالفرد والمجتمع، وعلى كل فرد المحافظة على النعم بالترشيد وتوجيهها الوجهة الصحيحة».
قِيَم رمضانية
وقال المحامي والمستشار القانوني، الدكتور أحمد المعمري: «تزداد معدلات استهلاك الطعام في شهر رمضان إلى حد الإسراف والتبذير، على الرغم من كونه شهر صيام، ما يعني أن الإسراف في الاستهلاك يتعارض مع القيم السامية التي جاء بها الشهر الفضيل، وهو شهر البركة والخيرات، لذلك يجب الحفاظ على هذه القيم التي تنبذ الإسراف في الطعام والشراب، وترشيد الاستهلاك، بما يحقق الكفاية للإنسان والتوازن المعيشي المجتمعي».
وتابع المعمري: «هناك فارق كبير بين الكرم والإسراف في الطعام، فشتان ما بين الخصلتين، كما أن رمضان هو شهر الصيام والعبادة والتقرب إلى الله، وليس موسماً للإسراف في الطعام والشراب، ما يترتب عليه تخصيص ميزانية أقل للشهر الفضيل، مقارنة ببقية أشهر السنة، وادخار الفرق المتبقي كاحتياط يلجأ المرء إليه عند الحاجة أو حدوث طارئ».
شراء عاطفي
وقال الاستشاري النفسي، الدكتور مدحت الصباحي: «إن الجانب النفسي يلعب دوراً رئيساً في الإقبال المفرط على اقتناء مواد غذائية بكميات تفوق الحاجة الفعلية في شهر رمضان، ويمكن وصف هذا السلوك بــ(تسوق العادة لا الحاجة)، ويأتي نتيجة لحملات إعلانية مبنية على المشاعر، مثل أجواء العائلة والولائم، ما يحفز الناس على الشراء أو ما يسمى (الشراء العاطفي) أكثر من كونه حاجة فعلية، ويتسبب في طغيان النمط الاستهلاكي المفرط، وتصاعد وتيرة الهدر الغذائي».
وأضاف: «تنتشر في العديد من المجتمعات ثقافة استهلاكية رمضانية ذات نكهة خاصة ومميزة، فصور الموائد العامرة بأطيب الطعام والشراب وبأصناف كثيرة وكميات كبيرة، أصبحت رمزاً للشهر الفضيل، فضلاً عن أن حالة الهوس بالتسوق تبدأ قبل رمضان، وتجتذب مراكز التسوق الجمهور بطرق عاطفية، من خلال إضافة الأجواء الروحانية باستخدام الأغاني والتواشيح الدينية المرتبطة بشهر الصوم».
استهلاك مسؤول
وحذّرت اختصاصية التغذية، نور أبوضهير، من الإفراط في تناول الطعام، مشيرة إلى أهمية ضبط كمية الطعام للحصول على صحة أفضل، حيث يؤدي تناول كميات كبيرة من الطعام إلى استهلاك سعرات حرارية أكثر من اللازم، ما قد يتسبب في زيادة الوزن والمشكلات الصحية، كما يمكن لتقليل كمية الطعام أن تساعد في التحكم في السعرات الحرارية المستهلكة، وتحسين الصحة العامة، إضافة إلى أن تحديد كميات مناسبة من الأغذية المتنوعة، يتيح الحصول على جميع العناصر الغذائية التي يحتاج إليها الجسم.
وقالت: «يعتاد الجسم أثناء رمضان على عدم تناول الطعام في أغلب ساعات اليوم، لذلك من الخطأ تناول كميات أكثر من الطعام خلال وجبة الإفطار، حتى لا نسبب ضغطاً على الجهاز الهضمي، مع ضرورة تجنّب الإفراط في تناول الأطعمة الدسمة، حيث تحتوي على كثير من الدهون المشبعة والكربوهيدرات المكررة والسكريات، لأن هذه الوجبات تضيف الكثير من السعرات الحرارية إلى الطعام دون إضافة أي قيمة غذائية، ما يزيد مخاطر الإصابة بالسمنة وأمراض القلب، وارتفاع الضغط وداء السكري».
حلول عملية
وحذّر مختص في مجال البيئة والاستدامة، الدكتور أحمد صلاح الدين، من أن أضرار هدر الطعام لا تتوقف على الخسائر المدية فقط، حيث يؤثر إهدار الطعام بشكل كبير في البيئة، إذ يُعزّز انبعاثات الغازات الدفيئة وإهدار الموارد القيمة، وحدّد بعض الحلول العملية للحد من إهدار الطعام وإحداث تأثير إيجابي شملت التخطيط المستقبلي، واستخدام أدوات القياس، وتقسيم الأطباق، إضافة إلى تناول الطعام بحرص وحكمة، حفاظاً على الصحة البدنية، وذلك عبر أهمية الانتباه إلى إشارات الجوع والشبع التي يصدرها الجسم لتناول كميات غذائية مناسبة، مشيراً إلى أن إعداد قائمة قبل التسوق يُسهم في شراء ما نحتاج إليه فقط، وتقليل هدر الطعام وتوفير النقود، وتسهيل التخطيط للوجبات، ما يؤدي إلى تفادي وجوب التخلص من بقايا الطعام، إضافة إلى أن أكواب وملاعق القياس وموازين المطبخ تساعد في ضبط الكمية الغذائية المناسبة.
مختصون:
• الشراء العاطفي رسّخ سلوك «تسوق العادة لا الحاجة».
• 3.27 ملايين طن من الغذاء تُهدر سنوياً في الإمارات.
• %50 زيادة في إنفاق الأسر على الطعام والشراب خلال رمضان.